كيرونا: صدمات سينمائية عن السويد ومنها

العربي الجديد

"كيرونا: عالم جديد رائع" (2019)، وثائقيّ للتشيكية السويدية غريتا ستوكلاسا، ثاني الأفلام السويدية العائدة إلى منطقة "لابلاند" الشمالية، حيث يعيش سكّان البلاد الأصليون. الأول باكورة السويدية أماندا كيرنيل، "دم

سامه"، الذي أحدث "صدمة" عند عرضه قبل عامين، في الدورة الـ40 (27 يناير/ كانون الثاني - 6 فبراير/ شباط 2017) لـ"مهرجان غوتنبرغ السينمائي"، ونال فيها جائزة أفضل فيلم من دول الشمال. "الصدمة" كامنة في جهل أجيال من الجمهور السويدي تاريخًا طويلاً من التمييز العرقي، المُمارَس بمنهجية ضد شعب "سامه" الشمالي.


حكاية العجوز كريستينا (ماي ـ دوريس ريمبي)، المنتمية إلى شعب "سامه"، في روائي كيرنيل، تعود إلى ثلاثينيات القرن المنصرم. أما وثائقي غريتا ستوكلاسا، المعروض في الدورة الـ23 (24 - 29 أكتوبر/ تشرين الأول 2019) لـ"مهرجان يّهلافا الدولي للفيلم الوثائقي" (تشيكيا)، فيواكب مسار تحوّلات دراماتيكية، تشهدها مدينة "كيرونا"، كبرى مدن المنطقة. مسارها لا ينفصل عن واقع سكّانها، وهم خليط من سويديين وسكّان أصليين، يواجهون انقلابات صناعية، وبقايا موروث عنصري، ويراقبون دخول أجناس بشرية جديدة إلى مدينتهم القطبية، بعد تدفّق موجات من المهاجرين إلى السويد.

مصدر الإدهاش في "دم سامه" يعود إلى حذاقة سيناريو، يجعل من ميلودراما صغيرة نصًا سينمائيًا مهمًا، وأحد علامات السينما السويدية. كاتبته (المخرجة كيرنيل)، المتحدّرة من عائلة مختلطة الأصول بين سويدية و"سامه"، لم تُقحِم فيه موضوع أقلية "سامه" بفجاجة، بل سرّبته من خلال غموض قصّة امرأة تدعى كريستينا، فيما يقول تاريخها الشخصي ـ عبر عودة إلى طفولتها بالـ"فلاش باك" ـ إنّ اسمها الحقيقي هو أله ـ ماريا ( أداء رائع للممثلة الصبيّة لينه سيسيليا سباروك).

تعود العجوز إلى مقاطعة "لابلاند" لحضور مراسم دفن أختها. ترفض التكلّم بلغتها الأصلية، لغة "سامه"، وتمتنع عن مخالطة الآخرين. استنكافها عن أصلها ليس فعلاً إرادويًا طواعيًا صرفًا، بل خطوة مؤلمة مفروضة عليها من قساوة بشر. بها، تحاول تجنيب نفسها المزيد من الإذلال العرقي، ومهانة التمييز البيولوجي. شخصية الشابة مايا، في الوثائقي، تفعل العكس. تصرّ على تعلّم لغتها الأصلية (سامه)، كأنّها بهذا تريد تجنّب المرور بالتجربة المريرة، التي تمرّ بها العجوز كريستينا، عند محاولتها أن تكون "سويدية". سيناريو وثائقي ستوكلاسا يشبه، في حذاقته، روائي كيرنيل. يدخل إلى العمق بعرض اليوميّ العادي، وعبر التظاهر بانشغاله بنقل تفاصيل حدث جديد تشهده المدينة.

تقع "كيرونا" القطبية فوق أرضٍ، في باطنها كميات هائلة من خامات الحديد، هي من بين الأعلى نسبة في العالم. استخراجه من المناجم، وعمليات التنقيب الدائمة عنه، قلبت جوفها وأفرغته. لم تعد هناك أرض تسندها. هي اليوم مدينة مهدّدة بالانهيار، بسبب التشقّقات الهائلة في تربتها. الحلّ الوحيد، المُقترح من شركات السكن العملاقة، هو ترحيل سكّانها إلى مناطق سكنية جديدة، وهدم القديمة، لتغدو عراء لا حياة فيها.



بدلاً من الانشغال التام بالحدث الآني، يبحث الوثائقي في تاريخ التحوّلات الحاصلة في تلك البقعة البرية، التي أصبح سكانها الأصليون (سامه) اليوم أقلية. غدت المدينة السويدية صناعية، يتوافد عليها مهاجرون، جُلّهم عرب. قصص رعاة قطعان الرنة وأغنياتهم، تمر سريعًا بين ثنايا أحاديث عابرة عن تاريخ سكّانها وتقاليدهم. في اللحظة التي شرعت الكاميرا (ستانيسلاف آدم) بالدخول إلى حياتهم، كان هاجس غالبيتهم الانتقال من "كيرونا" القديمة إلى مدينة أخرى، عصرية.

شيء مشابه حدث في تلك الأرض العذراء، في ثلاثينيات القرن المنصرم، عاشته كريستينا، يوم كانت صبية تُدعى أله ـ ماريا. أرادت التوافق مع "سودنة" مجتمعها. لم تدرك ما كان يخطط له السويدي المهيمن بسلطة ماله وتطوّره الصناعي. بحثت في خطوتها عن خلاصها الفردي. قررت الانتقال إلى مدينة سويدية أكبر، تُنسيها موطنًا بسيطًا، كان موضع استخفاف "البيض" وتندّرهم على قاطنيه القطبيين. لا غرابة فيما أقدمت عليه، فهناك مقيمون كثر في المكان نفسه يشبهونها. لهؤلاء، يترك الوثائقي مساحة من سرده المخاتل، ويُتيح لهم التعبير عن مواقفهم. في مقابلهم، تقف مجموعة أخرى ضدهم. أقلية متمسّكة بأصلها (سامه)، تُدرك ما يجري حولها، وتعرف من هو وراء نهب ثروتها.

في "مقهى الفيلسوف"، يجتمع المعارضون ويناقشون مصير مدينتهم، وضياع تاريخهم الشخصي، وعجزهم عن مقاومة رغبات شباب منهم، نشأوا على واقع وتأقلموا معه، ولا يرغبون في معاندته. على السطح، يجري صراع هادئ بين الطرفين. وبينهما، يقف المُهاجر محتارًا، غير معني به إلا بقدر ما يخصّ مصيره المعلّق. في الوثائقي، المهاجر العربي طرف هامشي في معادلة مدينةٍ، تغيّرت معطياتها كما تتغيّر معالمها وتضاريسها. لم تشهد تلك الأصقاع الجليدية هجرة بشر كالتي تشهدها اليوم، وتحاول إدارتها تقديم نفسها كراعٍ طيب للوافدين عليها.

"الخبث" في الوثائقي يكمن في السؤال الافتراضي النابع من سياق عرض تاريخي، مُذهل وسلس، للمدينة وتحوّلاتها المشينة: أي مستقبل ينتظر المهاجر في أرضٍ، يُبعَد أبناؤها منها بقوّة قرار مصالح اقتصادية كونية؟

يتشارك الوثائقي والروائي في التقاط مواجع بشر في أزمنة مختلفة، لكن نهاياتها تكاد تكون متشابهة. هروب بطلة "دم سامه" لا يختلف في جوهره عن هروب أكثر سكان "لابلاند" إلى مناطق سويدية "أجمل"، فيها فرص حياة "أحسن"(!). في العمق، حين يتعلّق الأمر بالمصائر العجيبة للبشر، يصبح وضع اللاجئ اليمني عبد الرحمن، الآتي إلى تخوم المدار القطبي المتجمّد، متساوقًا مع مصائر شعب "سامه".

الاشتغال السينمائي في الفيلمين مذهل. إذا كانت وسائط التعبير الروائية، في الأعمّ، أقدر على نقل المشاعر والانفعالات على الشاشة من الوثائقي، فإنّ الوثائقيّ التشيكي ينافسها هذه المرة، إذْ فيه قدر كبير من الدهاء، كما يُقدّم نفسه في البداية كفيلم متفائل، لا يخلو من دعاية لبلدٍ، سُمعته الطيبة تسبقه (العنوان يزيد من التوهّم بها)، ثم سرعان ما تحوّل إلى وثائقيّ استقصائيّ، يحفر عميقًا في المشهد، الذي يبحث في متغيّراته وتاريخه المؤلم، بأسلوب فيه من جماليات الروائي الكثير، إلى درجة تبدو المقاربة بينه وبين "دم سامه" جد متوافقة.

المصدر: العربي الجديد


طباعة  

ذات صلة :