"الطاعون في العصر الأموي": مدوّنة الوباء

العربي الجديد

استحوذت المقاربة الفقهية للوباء على الأدبيات التي تناولتها في العصور الإسلامية الأولى، على نحو لا يختلف عن نظرة متشابهة لدى المعتقدات والثقافات الأخرى آنذاك، وظلّت

مدخلاً أساسياً في تشخيص الأمراض وعلاجها، أو في الكتابة التاريخية حولها كما في العهد العباسي حين شهدت تطوّراً كبيراً منهجياً وسردياً.

سلّمت النصوص في العصور الأولى للإسلام - ومعظمها من الفتاوى والأحكام الشرعية - بمفهوم القدَر الإلهي في حصول المرض، لكنها ركّزت على طرق مكافحته التي بدت معظمها فاعلة وفق الظروف التي عاشها المسلمون الأوائل، ومنها حرمة الهرب من البلاد التي حلّت بها الأوبئة، والحجر على أهلها في بيوتهم، وإغلاق الأسواق وترك صلاة الجمعة وغيرها.

يعود كتاب "الطاعون في العصر الأموي: صفحات مجهولة من تاريخ الخلافة الأموية" الصادر عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" للباحث المصري أحمد العَدوي، إلى مصادر تاريخية مبكرة ومتأخرة ومتون الحديث والتراجم وكتب الزهديات والطب ومراجع أجنبية في محاولة تأسيسية لفهم الظاهرة في تلك المرحلة.

من خلال عدّة روايات تناولها علماء مثل ابن حجر وخليفة بن خياط والمدائني والأصمعي والواقدي وسيف بن عمر وأيبو السختياني، يتتبّع الباحث تسلسل ظهور المرض القاتل الغامض الذي أطلق عليه العرب اسم طاعون وساوى اللغويون بينه وبين الوباء في كتاباتهم، منذ العام الخامس حتى سنة مئة واثنتين وثلاثين للهجرة (أي تاريخ سقوط الأمويين).

ويشير المؤلف إلى اختلاف المؤرّخين في إحصاء الطواعين الكبرى والتأريخ لها، وعلى تسمياتها، ورغم أن "الطاعون الجارف" لم يحدّد عام حدوثه، إلا أن المتقدّمين أرّخوا به في تثبيت تاريخ ميلاد ووفيات العديد من الشخصيات، موثّقاً لطاعون وقع في العصر الأموي في خلافة معاوية بن أبي سفيان، فضرَب الكوفة بين عاميْ 49- 50 هـ/ 669 -670 م ما اضطر واليها المغير بن شعبة الذي اختلف الإخباريون إن كان قد مات بسبب الوباء أم لا، إلى دعوة الكوفيين إلى الخروج من المدينة ثم العودة إليها لاحقاً.

يورد الكتاب أنه في العقد السابع من القرن الأول الهجري ضربت سلسلة من الطواعين الكبرى أرجاء الشام والعراق، لتمتدّ إلى مصر، حاصدة أرواح مئات آلاف البشر، وعُرفت فورة الطاعون الكبرى باسم طاعون ابن الزبير الذي كتَب بعض المؤرخين عن تزامنه مع تحرّكات البيزنطيين العسكرية وتجرّؤهم على مهاجمة الشام، ما اضطر عبد الملك بن مروان إلى دفع جزية قدرها ألف دينار أسبوعياً ليكفّ الروم عنه، إذ كانوا ينتهزون فرصة وقوع الطاعون في الشام والعراق ويهاجمون مدنها على الثغور، ليقينهم التام بضعف المدافعين وانقطاع المدد عقب فورات الطاعون الكبرى.

ويقف الباحث المصري عند "طاعون غراب" كونه خلافاً للطواعين السابقة، أصبح هناك تصوّر عن الأماكن التي ضربها والتي امتدّ إليها في ما بعد، كما تمّدنا المصادر بأسماء جملة من الأعيان الذين لقوا حتفهم في ذلك الطاعون، حتى أنه قيل من باب التهويل إن البصرة لم تصب بعد هذا الطاعون بطاعون قط، بل إن العباسيين ادعوا أن بركة ولايتهم أن رفع الله الطاعون عنهم، وشكّل مادة للتجاذب بينهم وبين المتعصّبين للحكم الأموي في عصرهم.

ويبيّن العدويّ أن الجغرافية التي وصفها المؤرّخون لحدود المرض اشتملت على آسيا الوسطى والعراق وسورية والجزيرة العربية واليمن ومصر، وبصورة أقل شمال أفريقيا ضمن حوالي عشرين فورة للطاعون، بمعدل طاعون كلّ أربعة أعوام، وتفسّره حركة السفر والهجرة والتبادل التجاري التي لم تنقطع بين تلك البقاع التي صهرها الإسلام في وحدة سياسية طوال عصريْ الراشدين وبني أميّة وعدم وجود فواصل طبيعية من شأنها منع الامتزاج البشري، مع التأكيد على أن المصادر التي أرّخت بشكل أكثر إحكاماً وأغنى بالمعلومات والتواريخ.

المصدر: العربي الجديد


طباعة  

ذات صلة :